ابن حزم

721

الاحكام

أمر به صلى الله عليه وسلم في الشهيد ألا يغسل ولا يكفن ، وأن يدفن في ثيابه ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دما ، اللون لون دم والريح ريح مسك فكلا الامرين عمل كلفناه نحن وألزمناه ، فمن فعله أطاع الله تعالى ، ومن لم يفعله عصى الله عز وجل . فتخيل أهل الجهل والاستخفاف بأوامر الله تعالى ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن عمل الميت قد انقطع ، فيا ليت شعري من قال لهم : إن هذا عمل أمر به الميت وإنما قيل لهم : إنه عمل أمرنا نحن به في الميت ، كما أمرنا بغسل سائر موتانا وتحنيطهم بالسدر والكافور والصلاة عليهم ، فهذا كله سواء ولا فرق . وتلبية المحرم يوم القيامة فضل له حينئذ وجزاء كثعب جرح الشهيد ، ولا فرق فبطل تمويه أهل الجهل والحمد لله . وكذلك قوله : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) * وقوله تعالى : * ( يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) * ، وقوله تعالى : * ( يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) * وقوله تعالى : * ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى وقوله تعالى : * ( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ) * وقوله تعالى : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * . قال أبو محمد رحمه الله : فهذا كله لا يعارض ما ذكرنا البتة ، وإنما معناه أن أحدا لا يحمل إثم غيره ولا وزره ، إلا أن يكون سن ذلك العمل السوء فله مثل إثم صانعيه أبدا ، لان الآي مضاف بعضها إلى بعض ، وقد قال تعالى : * ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) * . وأخبر عليه السلام أن كل قتيل يقتل فعلى ابن آدم الأول كفل منه ، لأنه أول من سن القتل . فمعنى الآي الأول أن الله لا يلقي إثم أحد على برئ منه ، وأما من استن الشر ورتبه فله حظ من كل فعل يوافق ما سبق ، وكذلك من سن الخير أبدا ، فلا يلحق عمل أحد أحدا أبدا إلا ما جاء به النص ، فيصير حينئذ فعلا مأمورا به من كلف أداه ، يؤجر على فعله ويأثم بتركه كسائر ما أمر به ولا فرق ، وبالله تعالى التوفيق ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .